محمد أبو زهرة
1800
زهرة التفاسير
إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرني أن أورث امرأة أشيم الضبابي من عقل ( أي دية ) زوجها أشيم » فورثها عمر بعد أن علم بقضاء النبي صلى الله عليه وسلم في هذا ، وما كان له أن يخالفه « 1 » . والدية عند الأكثرين تجب على عصبة القاتل ، ليكون ذلك دليلا على تضافر الأسرة كلها ، وإذا كان فقيرا وأسرته فقيرة ، فإن دية المقتول تكون على بيت مال المسلمين ؛ لأنه وارث من لا وارث له ، فيجب عليه ما كان يجب على الوارث ؛ ولأنه لا يطل دم في الإسلام ، ولأنه إذا كانت الأسرة الصغرى قد عجزت عن دفع الدية ، فإنها تجب على أسرته الكبرى ، وهي الأمة . وهنا بحثان لفظيان : أولهما : التعبير عن أداء الدية بقوله : مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ . فإن هذا التعبير يومئ إلى وجوب حسن الأداء ، بألا يكلفوا أسرة المقتول شطط التقاضى والمطالبة ، فيجمعوا عليها ألم الفقد ، ومضاضة الشكوى والتظلم ، وهذا مثل قوله تعالى : فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ ( 178 ) [ البقرة ] . والبحث الثاني : قوله تعالى إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا ، أي إلا أن يتبرع أهل القتيل ، وفي التعبير بكلمة « يَصَّدَّقُوا » إشارة إلى أن ذلك أمر مرغوب فيه محبب ، وأنه صدقة لها ثوابها ، إذا كان أولياء القاتل وعصبته يرهقون بأدائها ، أو كان العطاء من بيت المال فيتركونها صدقة لجماعة المسلمين ، وإن ذلك يكون إذا كانوا هم في ثروة لا يحتاجون معها إلى هذه الدية ، وفي الجملة يكون لها كل أحكام الصدقة ، ولا صدقة إلا عن ظهر غنى . بقي أن نبين الحكمة في هذه العقوبة : لما ذا كانت العقوبة أولا ؟ ولما ذا كانت بهذا الشكل ؟ ! أما عن شرعية العقوبة ، فحكمتها واضحة وهي تربية الناس على
--> ( 1 ) رواه الترمذي وصححه : الديات - في المراة هل ترث من دية زوجها ( 1415 ) ، وأبو داود : الفرائض ( 2927 ) ، وابن ماجة : الديات ( 2642 ) ، وأحمد : مسند المكيين - مسند الضحاك بن سفيان رضي الله عنه ( 15318 ) عن سعيد بن المسيب والضحاك بن سفيان الكلابي رضي الله عنهما .